صرخة روما في مواجهة صمت المدافع
لم يكن مؤتمر روما العالمي للأمن الغذائي المنعقد في يونيو 2026 مجرد اجتماع أممي روتيني، بل تحول إلى محاكمة دولية علنية لفشل المنظومة المتعددة الأطراف في إنقاذ ملايين الجوعى في السودان. المجاعة تفترس الجميع. المعابر الإنسانية مغلقة بفعل الصراع. لا وقت للوعود الورقية. أعلن خبراء الفاو رسمياً أن السودان يواجه أسوأ كارثة جوع في تاريخه الحديث نتيجة تدمير القطاع الزراعي في الجزيرة وسنار ومحاصرة قوافل الإمداد. لا مزيد من الخطابات الرنانة في روما. لا مزيد من تسييس قوافل الإغاثة الإنسانية. لا مزيد من الاختباء خلف حق الفيتو لمنع الغذاء عن الأطفال. ومع ذلك، فإن الهوة بين الدبلوماسية الفاخرة في إيطاليا والواقع الميداني المأساوي في ولايات دارفور والخرطوم تظل شاسعة للغاية.
الإنجازات والفرص: الإيجابيات
حققت قمة روما بعض الاختراقات السياسية والمالية التي يمكن أن تشكل طوق نجاة إذا تم استغلالها بالشكل المطلوب، وتتمثل في النقاط التالية:
- التعهدات المالية غير المسبوقة: نجحت القمة في انتزاع التزامات مالية بقيمة 1.5 مليار دولار من الاتحاد الأوروبي ودول الخليج مخصصة حصرياً لتمويل المساعدات الغذائية الطارئة للسودان ودول الجوار المستضيفة للاجئين.
- الاعتراف الدولي بالتصنيف الخامس (IPC 5): أجبر الضغط الدبلوماسي القوى الكبرى على الاعتراف رسمياً بوجود مجاعة واسعة النطاق، مما يمنح المنظمات الإنسانية غطاء قانونياً لتجاوز بعض العقبات البيروقراطية.
- مبادرة الممرات الخضراء المقترحة: تم الاتفاق على خطة دولية لإنشاء ممرات إنسانية آمنة ومراقبة إلكترونياً لضمان تدفق شحنات الحبوب من بورتسودان إلى الولايات الغربية دون تعرضها للنهب.
القصور والتحديات: السلبيات
على الجانب الآخر، كشفت القمة عن عجز هيكلي عميق في فرض هذه القرارات على الأرض، وتتجلى الإخفاقات في الجوانب الآتية:
- استمرار تسييس سلاح التجويع: تواصل القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع استخدام الغذاء كسلاح عسكري، من خلال منع تصاريح العبور وفرض رسوم تعجيزية على الشاحنات، مما يجعل التمويل المالي بلا قيمة فعلية.
- عجز مجلس الأمن عن فرض العقوبات: اصطدمت مقترحات فرض عقوبات صارمة على الأطراف التي تعيق وصول المساعدات بحائط الصد المعتاد في نيويورك، حيث تبدو بعض القوى الكبرى متواطئة في حماية حلفائها المحليين.
- تجاهل أزمة الإنتاج الزراعي المحلي: ركزت القمة بشكل شبه كامل على المساعدات الغذائية المستوردة، متجاهلةً تمويل صغار المزارعين السودانيين لشراء البذور والأسمدة، مما يضمن استمرار الأزمة الغذائية لسنوات قادمة.
الحكم النهائي
انتصار لفظي كبير ومأساوي في قاعات المؤتمرات الفاخرة، يقابله فشل ذريع وعجز كامل في آليات التنفيذ على الأرض. إن الإعلان التاريخي للأمين العام للأمم المتحدة في روما بأن مجاعة السودان تمثل 'الفشل النظامي للبنية المالية والأمنية العالمية' هو تشخيص صحيح، لكنه يفتقر إلى مخالب للتنفيذ. بدون آلية دولية صارمة تضمن الحماية العسكرية لقوافل الإغاثة، أو فرض ممرات إنسانية إلزامية بموجب الفصل السابع، فإن وعود روما بتقديم 1.5 مليار دولار لن تتجاوز كونها حبراً على ورق. يبدو أن النظام الدولي في عام 2026 قد اختار تقديم مسكنات مالية لتبرئة ضميره، تاركاً ملايين السودانيين يواجهون قدرهم في واحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية في هذا القرن.