المعركة الصامتة على الساحل السوداني

تحول ممر البحر الأحمر الاستراتيجي وميناء بورتسودان في يوليو 2026 إلى ساحة معركة جيوسياسية كبرى داخل أروقة مجلس الأمن الدولي. الميناء مغلق جزئياً. الخطر حقيقي. لا مجال للمساومة الدبلوماسية. في ظل استمرار الصراع الداخلي المرير في البلاد، أصبحت مدينة بورتسودان الساحلية العاصمة الإدارية المؤقتة، والمنفذ الشرياني الوحيد المتبقي للدولة. لا مزيد من المماطلة الدبلوماسية. لا مزيد من التهاون بأمن البحر الأحمر. لا مزيد من تقديم التنازلات السيادية تحت وطأة الحرب. تحاول الدول الكبرى استغلال الأزمة العسكرية السودانية للحصول على تسهيلات بحرية عسكرية، مما يجعل سواحل السودان بؤرة توتر دولية تتجاوز في خطورتها حدود الصراع الداخلي لتلامس مباشرة أمن التجارة العالمية وطرق الطاقة الحيوية.

أربعة محاور تقود الصراع الدبلوماسي في مجلس الأمن

تتمحور النقاشات المغلقة في نيويورك حول مسودة قرار بريطاني أمريكي مشترك، يواجه معارضة شرسة من عدة أطراف دولية وإقليمية بناءً على أربعة محددات جوهرية:

  • الصراع الروسي الأمريكي على القواعد البحرية: تسعى موسكو جاهدة لتفعيل اتفاقيتها القديمة لإنشاء مركز دعم لوجستي بحري في بورتسودان، وهو ما تراه واشنطن تهديداً مباشراً لحرية الملاحة وميزان القوة العسكرية في الممر المائي الدولي.
  • المصالح التجارية الصينية الضخمة: تصر بكين على حماية استثماراتها في ممر (CMEC) وموانئ البحر الأحمر، مفضلةً الحلول الدبلوماسية الثنائية مع الخرطوم لرفض أي وصاية بحرية غربية قد تعيق حركة شحن بضائعها.
  • المقترح السعودي للمراقبة البحرية المشتركة: قدمت الرياض مسودة قرار بديلة لإنشاء دورية بحرية إقليمية على طول الساحل السوداني السعودي لضمان سلامة ناقلات النفط وتجنب تداعيات أزمة هرمز الأخيرة في الخليج.
  • أزمة السيادة لحكومة الجيش السوداني: ترفض القوات المسلحة السودانية بقيادة البرهان أي قرار أممي يفرض وجود قوات مراقبة أجنبية على شواطئها، معتبرةً ذلك انتهاكاً لسيادة الدولة وتدخلاً غير مباشر في الحرب الأهلية.

تداعيات أزمة هرمز والبديل السوداني

إن التسارع الدولي الكبير للسيطرة على بورتسودان في منتصف عام 2026 ليس منفصلاً عن الواقع الأمني المتفجر في الشرق الأوسط. فبعد الإغلاق المؤقت لمضيق هرمز نتيجة حرب الخليج الأخيرة، تضاعفت القيمة الاستراتيجية للبحر الأحمر كمسار بديل آمن لنقل النفط والغاز الإفريقي. هنا تبرز بورتسودان كدرع أمني وقناة إمداد لا غنى عنها للقوى الصناعية الآسيوية والأوروبية على حد سواء. استخدام الميناء كمنصة لوجستية هو خيار حتمي لضمان استقرار سلاسل الإمداد العالمية. ويبدو أن الدبلوماسية السودانية تحاول اللعب على وتر هذا التنافس الدولي للحصول على دعم عسكري واقتصادي مباشر، متجاهلةً مخاطر تحويل الساحل الوطني إلى منطقة مواجهة عسكرية مباشرة بين الأساطيل البحرية للقوى الكبرى.

تحدي الحفاظ على القرار الوطني المستقل

في نهاية المطاف، فإن نجاح السودان في حماية مياهه الإقليمية سيعتمد على قدرة القيادة العسكرية في بورتسودان على المناورة بين المطامع الروسية والضغوط الأمريكية المتزايدة. إن رهن السيادة البحرية مقابل مكاسب عسكرية قصيرة المدى في الحرب الأهلية هو خطأ استراتيجي ملموس قد تدفع الدولة ثمنه لعقود قادمة. من المحتمل أن تشهد جلسة مجلس الأمن المقررة في وقت لاحق من هذا الشهر مواجهة دبلوماسية حاسمة قد تنتهي باستخدام حق الفيتو من قبل بكين أو موسكو لحماية حليفهما في الخرطوم. لكن، كما يرى المراقبون في المنطقة، فإن البحر الأحمر لن يهدأ طالما بقيت الشواطئ السودانية عرضة للمساومات السياسية. حماية بورتسودان لا تبدأ بالبوارج الأجنبية، بل باستعادة الاستقرار الداخلي والقرار الوطني المستقل.