بينما كانت الوفود الدبلوماسية تغادر العاصمة التركية أنقرة في الثامن من يوليو 2026 عقب اختتام قمة حلف شمال الأطلسي، لم يكن الحديث يدور فقط حول الصواريخ والميزانيات، بل حول الشروخ العميقة في جدار العدالة الدولية. العدالة ليست عمياء في عالمنا المعاصر، بل يبدو أنها تملك عيوناً جيوسياسية حادة تميز بين دماء الضحايا بناءً على جنسياتهم ولون بشرتهم. المذكرات حبر على ورق. انتهت اللعبة الدبلوماسية المعتادة. نحن اليوم نقف أمام حقيقة صارخة تجلت بوضوح في نقاشات أنقرة الشرسة: كيف يمكن للقوى الغربية أن تستنفر أساطيلها ومؤسساتها القضائية لملاحقة متهمين في صراعات معينة، بينما تلوذ بالصمت العاجز وتعرقل مسار العدالة عندما يتعلق الأمر بالجنرالات الذين يحرقون السودان من الوريد إلى الوريد؟ لا مزيد من الملاحقات الجنائية الانتقائية. لا مزيد من الصمت الغربي المتواطئ. لا مزيد من معاملة ضحايا الحرب في إفريقيا كضحايا من الدرجة الثانية.
إن مذكرات الاعتقال الأخيرة التي أصدرها مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية كريم خان بشأن الفظائع المرتكبة في دارفور والخرطوم جوبهت بجدار سميك من عدم الاكتراث العملي في قمة الناتو. وبينما دافعت العواصم الغربية بحماس عن ضرورة حماية النظام الدولي المبني على القواعد، بادرت دول صاعدة من الجنوب العالمي، مثل البرازيل وجنوب إفريقيا، إلى تفكيك هذه السردية في جلسات الشراكة الموسعة. لقد طرحت هذه الدول السؤال الحتمي الذي يهرب منه الجميع: لماذا يُعامل جنرالات السودان كشركاء تفاوض شرعيين في عواصم العالم، بينما هم متهمون رسمياً بجرائم إبادة جماعية وتجويع ممنهج ضد ملايين المدنيين؟ إن هذا التقاعس المتعمد هو تدمير كامل لشرعية المحكمة الجنائية الدولية التي تحولت، للأسف، إلى أداة عقابية مسيسة تُشهر فقط عندما تتوافق مع مصالح واشنطن وبروكسل، وتُخفى في أدراج الإهمال عندما يتعلق الأمر بحلفاء إقليميين أو صراعات منسية في عمق القارة السمراء.
إن استمرار الحرب الأهلية السودانية في عام 2026 هو نتيجة مباشرة لهذا النفاق القانوني الدولي الذي يمنح الجناة حصانة غير معلنة. عندما يرى قادة القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع أن مجلس الأمن يعجز حتى عن فرض حظر حقيقي على تدفق الأسلحة عبر الحدود، وأن مذكرات المحكمة الجنائية لا تمنعهم من السفر أو استقبال الوفود، فإنهم يدركون أن ضوءاً أخضر دولياً قد مُنح لهم لمواصلة المحرقة. نحن نرى كيف تُستخدم آلام الشعب السوداني كأوراق مساومة في صفقات الطاقة البديلة وطرق الملاحة في البحر الأحمر، بينما تُعزل مأساة ملايين المهجرين قسراً عن سياقها الإنساني لتتحول إلى مشكلة لوجستية تتعلق بالهجرة غير الشرعية نحو الشواطئ الأوروبية. إنه سقوط أخلاقي مدوٍ للنخبة الدبلوماسية التي اجتمعت في أنقرة لالتقاط الصور التذكارية وإصدار البيانات الفارغة، متجاهلةً أن مصداقية القانون الدولي تحتضر في معسكرات النازحين في الفاشر وشرق تشاد.
ربما تكون صرخة الاحتجاج التي أطلقتها دول الجنوب العالمي في القمة هي الفرصة الأخيرة لإعادة القطار إلى مساره الصحيح قبل فوات الأوان. لن يستقيم النظام الدولي طالما بقيت معايير العدالة مائلة ومفصلة على مقاس الكبار. إذا كان قادة حلف شمال الأطلسي يخشون حقاً من تمدد الفوضى والتهديدات الهجينة، فعليهم أن يدركوا أن غياب العدالة في السودان هو المغذي الأول لعدم الاستقرار واليأس الذي يدفع المنطقة نحو الانفجار. العدالة ليست ترفاً دبلوماسياً يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء المعارك، بل هي الأساس والدرع الواقي لمنع تكرار المذابح. إن التهاون مع مجرمي الحرب في السودان يبعث برسالة خطيرة لكل الطغاة حول العالم بأن الإفلات من العقاب مضمون إذا كنت تملك النفط أو تسيطر على ممر مائي استراتيجي. لقد حان الوقت لتثبت المحكمة الجنائية الدولية استقلاليتها الفعلية، وحان الوقت ليرتفع صوت الضمير الإنساني فوق ضجيج المصالح السياسية الضيقة، ليعود ميزان العدالة الدولية إلى اعتداله المفقود.